الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
79
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
وسنذكر صحة خبرها في موضع تحاكم حمير إلى النار إن شاء اللّه تعالى « 1 » فلمّا قبل اللّه قربان هابيل ، وكان في ذلك القضاء له بأخت قائن ، غضب قائن وغلب عليه الكبر ، واستحوذ عليه الشيطان ، فاتبع أخاه هابيل وهو في ماشيته يرعى فقتله ، قال اللّه تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ * - يعني أهل الكتاب - ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 ) فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي « 2 » . وذلك أنه حرق « 3 » بعد قتله ولم يدر كيف يصنع به ، ولا كيف يواريه ، لأنه أول ميت وأول قتيل . فلما انصرف قائن إلى أبيه قال : يا قائن أين أخوك هابيل ؟ قال : ما أدري ، ما كنت عليه رقيبا ! فقال له : إنّ صوت دم أخيك ليناديني من الأرض الآن ، أنت ملعون من الأرض التي فتحت فاها فتلقت دم أخيك من يدك ، فإذا أنت عملت بيدك في الأرض ، فإنّما لا تعود تعطيك حرثها وتكون فزعا تائها . وعن ابن إسحاق يرفعه ، أن رجلا قام إلى علي بن أبي طالب رحمه اللّه « 4 » ، فقال : يا أمير
--> ( 1 ) لعل ذلك في الجزء الرابع من الإكليل أو الخامس ، في خبر تبع الكامل ، والخبرين مع قومه ، وخلاصتها أن تبعا كان قد غزا الحجاز وتجاوزها إلى العراق وبعد عوده مكث برهة بيثرب المدينة المنورة ، ووجد دين اليهودية قد انتشر بحكم وجودهم هناك ، فاعتنقه واستصحب معه حبرين من كبار أحبار اليهود . فلما قارب تبع أرض اليمن منعته حمير الدخول لما بلغها من اعتناقه دينا جديدا مباينا لدين آبائه وأجداده . وبعد محاولة قبلوا دخوله على شريطة التحاكم إلى النار ، وفعلا جرت المحاكمة ، وانتهت بانتصار الدين الجديد الذي حمله تبع معه في خبر طويل . ومن ذلك الحين دخلت اليهودية إلى اليمن . ( 2 ) سورة المائدة ، الآيات : 27 إلى 36 . ( 3 ) حرق : بالحاء المهملة آخره قاف ، بمعنى ندم ، وفي م بالخاء المعجمة ، والخرق محركة الدهش من خوف أو حياء أو أن يبهت فاتحا عينيه ينظر . ( 4 ) هو أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب بن هاشم ابن عم النبي صلّى اللّه عليه وسلم ورابع الخلفاء الراشدين وأول الصديقين وأبو السبطين . والفادي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بنفسه يوم الهجرة ، ومن هو من النبي صلّى اللّه عليه وسلم بمنزلة هارون من موسى ، ومن له من الفضائل والمحاسن التي تفرد بها ما لا يحصى . وقد أفردت في سيرته وأخباره وحياته الممتازة التصانيف قديما وحديثا . ولد قبل الهجرة بإحدى وعشرين سنة ، وقام ببطولته الخارقة بين يدي النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى أن جاءته الخلافة منقادة بإجماع الأمة ، إلا ما كان من معاوية وأهل الشام ، بعد قتل عثمان ، ولم تصف له الخلافة . فقد قامت في وجهه خلافات أخمدها بقوة إيمانه وعزيمته ، ولا زال مثالا حيا يمثل أخلاق الرسول إلى أن قتل شهيدا لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة أربعين هجرية ، عن ثلاث وستين سنة ، وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وسبعة عشر يوما .